مدن الحرب

لم تكن الحروب خياراً مثالياً للدول والمجتمعات، ويصعب علينا أن نتقبل أن هناك أسباباً مقنعة لأن تقاد الجيوش والمدفعيات لأجل الحرب. لكن التاريخ يحفظ لنا كيف كانت تبدأ، وأن منطلقها الأساسي والدائم هو الدفاع عن الأرض وحماية الشعب من طغيان وتهديد العدو. هي أسوأ خيار حين لا يتبقى لك خيارات أخرى، وتبقى على المحك وتحت ضغط حماية أرضك من احتمالات أخرى مخيفة!


العدو، أياً كان عدوك لن يرحم ولن يرأف بحالك حين يطمع بأرضك ومكتسباتك، كيف إذن حين يكون عدوك ميليشية إرهابية تنتهك المواثيق الدولية والأعراف الإنسانية كل يوم بلا أكتراث للطفل والشيخ والمدني الآمن؟ أنت أمام عدو بهذه الهمجية ذلك يعني أن لا خيار للسلام ولا للحوار، لأن اللغة اختلفت والأساليب انتهازية، والمفاوضات انتهت من على الطاولة وانتقلت للساحة.
عامان على عاصفة الحزم، وإعادة الأمل لشعب اليمن الذي عبثت به ميليشيا الحوثي، وبهذه الأرض السعيدة، لكن العاصفة بدأت لاستعادته وانتشاله من الجماعات الإرهابية، وفوضى المسلحين الذين استخدموا الآمنين والمدنيين دروعاً لتغطية بشاعة أعمالهم.
التقارير تسجل انتهاكات للحوثي وجماعته على مدى عامين والتي تجاوزت مقتل مدنيين بما يفوق 9000 بينهم أطفال ونساء، ومعتقلين يفوق 12000 من ناشطين شباب وسياسيين وإعلاميين، بالإضافة لكثير مما دمر من من أرض اليمن، من مدارس واستهداف للمستشفيات والأسواق وتجمع المدنيين، كل هذا يثبت بأننا أمام عدو همجي لا يكترث لشعبه وممتلكات وطنه، ويثبت لنا بأن هذه الحرب حين شنت كانت أولاً وأخيرا حماية لوطننا، وذلك لن يحصل بدون حماية وتنقية اليمن الجار والشقيق.
عامان وعلى الحد الجنوبي جيشنا، وفي جازان ونجران وعسير أهلنا يواجهون قذائف ميليشيا الحوثي وتطاولهم على أرض الوطن، حتى راح فداء ذلك أكثر من 100 من المدنيين منهم النساء والأطفال، وأكثر من 700 جريح وعدد في تزايد، الجيش على الحدود والأهل في البيوت يباتون على أصوات المدافع ويستيقظون على قتلى مدنيين آمنين.
نجران وجازان وعسير مدنٌ عصية ولها طابعها، حتى أكسبت أهلها بعضاً من صلابتها، أي مدينة عظيمة تلك التي يحفها الخطر من كل جانب، لكنها لاتزال تفرح وتعيش وتنبض بالحياة وترسل أبناءها وبناتها للمدارس ورجالها ونساءها للعمل، حدثني عن صعوبات الحياة، أحدثك عن أهل نجران وجازان يعيشون تحت احتمال الموت في أي لحظة، وفكرة الفقد ترافقهم، لكن معها فكرة أقوى منها، هي رغبة بالعيش والحياة والتوكل على الله والإيمان بالوطن وواجب حمايته وحفظه.
حدثني عن الصبر، سأحدثك عن أم فقدت ابنها لأجل الوطن، حدثني عن الوفاء سأقول لك إن هذه الأسماء التي ذهبت ضحية العدوان خلال عامين يجب ألا تنسى، ووجب أن تخلد وتكتب وتحفر في مدننا وفي ذاكرتنا، وهذه المدن لا يجب أن تكون مدن عادية، يجب أن تكون رائدة في الخدمات والجمال والتسهيلات، مدارسها ومستشفياتها لا يجب أن تكون وفق المعايير المتداولة، أهلها يستحقون، وشوارعها تستحق، لأنها مدن شهدت وكتبت التاريخ، وحفظت الوطن، وماعاشته يستحق أن يجعل اهتمامنا بها يفوق العادي.. لأنها استثنائية، لأنها مدن الحرب!

 

لقراءة المقال على موقع الجريدة:

http://www.alsharq.net.sa/2017/03/29/1663649


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s