الفكر بالفكر

أسعد دائما بما أرى في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني الذي أصبح بيت الخبرة في قضية الوطن الأولى «التطرف والتعصب» بكل أشكالهما، فخلال السنتين الماضيتين، تطور المركز وتحولت أهدافه من تبني ثقافة الحوار إلى مركز فكري وثقافي يدرس المجتمع في هذه النواحي، من خلال دراسة متعمقة، قائمة على استطلاعات الرأي وليست اعتباطية، ومن ثم مشاركة كافة فئات المجتمع والاستعانة بالخبرات من مختلف المجالات سواء الشابة أو القيادات المؤثرة للعمل على خطة عمل شاملة متعددة الأدوار.

مسارات عمل المركز متشعبة ومتنوعة، ويخدم جهات عدة، حكومية وخاصة، ويخدم كذلك الأفراد المهتمين والفاعلين في هذه الشؤون، ولكل راغب في الاستثمار بالوطن ومهتم بهذه القضية، من خلال مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني.
آخر ما شهدت من المركز هي مسابقة «حواركم» للأفلام القصيرة، التي فتحت المجال للشباب والشابات المهتمين بصناعة الأفلام لإنتاج أفلام قصيرة، تعزز قيم التلاحم، وتنبذ التطرف والتعصب. الأفلام المشاركة حصلت على أكثر من 19000 مشاهدة من مختلف دول العالم، وعلى أكثر من 74800 صوت للترشيح، وقيمت الأعمال من قبل لجنة حكم مكونة من مجموعة من المخرجين والمنتجين والمهتمين بصناعة الأفلام من الشباب السعودي.
مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني يتولى الآن مسؤولية قيادة المجتمع ثقافيا وفكريا في مواجهة التطرف الفكري، ويتبنى قضايا تهدد أمن الوطن، وإحدى وسائله المستخدمه لإيصال رسالته في المجتمع هي الفيلم واللحن والصورة، وهو نفس الأسلوب المتبع في كل بلاد العالم، محاربة الفكر بالفكر، والتوعية بالصورة والصوت، وهذه هي ما تسمى بالفنون، وأحد أدوار الفنون هي التوعية، وهي نفسها التي تجد محاربة شرسة من قبل جزء كبير من المجتمع، لكن المسابقة تعكس الدور الحقيقي الذي تلعبه هذه الأداة في محاكاة العاطفة والعين والأذن لإيصال رسائل، وتغيير ثقافة، ومحاربة فكرة؛ لذلك حين يقال إن الفنون تحارب التطرف ويعجز عن فهم هذه الفكرة كثيرون، أعتقد أن هذه المسابقة التوعوية خير مثال، ولعله يشاهد أحد الأفلام المنتجة فيسهل عليه فهم الغاية؛ لأن الرسائل التي أرسلت في هذه الأفلام بالتأكيد هي أسرع وأنفع من ألف خطيب على منبر جمعة، وأفضل من ألف معلم، وأقرب للشاب من نصيحة أب وأم.
ما سبق يأخذنا لسؤال آخر.. ماذا يمكن أن تصنع الأفلام الدرامية والكوميدية والغنائية إذاً؟ كيف يمكن أن نغير من كثير في مجتمعنا وفي شبابنا إن نحن استخدمنا لغة تثري الحواس بعيدا عن التهديد والوعيد والنقد والوعظ المباشر؟ ناهيك عن عدد المواهب التي ستكتشف وستوظف في هذا المجال فتبدع.
ثم من جانب آخر، إلى أي مدى يمكن أن يصل صوتنا للعالم أجمع من خلال هذه الأدوات؟ مع الأخذ في الاعتبار الإرث والمخزون الثقافي الذي تحمله المملكة حد التخمة، وسيكون غاية في الروعة إذا هو قدم بلغة الصورة والموسيقى، وهي اللغة الوحيدة المشتركة مع كل العالم. وفي المقابل، كم حجم تأثر مجتمعنا بثقافات أخرى فقط من خلال ما شاهدناه في المسلسل الكوري والتركي والفيلم الأمريكي، وقبلهما الفيلم المصري والمسلسل السوري.
الفنون تلعب دورا حيويا في حياتنا، وإن حاول بعض الأشخاص تهميشها أو توظيفها في غير سياقها، وإن حاول بعض الأشخاص محاربة الفطرة الإنسانية التي تتأثر عفويا باللحن وبالصورة، بدواعي مخاوف ساذجة مشوهة لا تعكس سوى هشاشة فكره هو.

لقراءة المقال على موقع الجريدة:

http://www.alsharq.net.sa/2017/04/05/1666234


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s