أُكتب خيالاً

على مجلة اليمامة العدد الصادر يوم الخميس 5 يناير 2017

  ليست مهمة الأدب والفنون أن تكون واقعية جداً أو حقيقية بشكل مفرط، لأنني حين أقرر أن أقرأ كتاباً أو أن أشاهد فيلماً أو أن أتأمل لوحة فنية، فأنا بحاجة إلى من يخطفني من واقعي بكل ما فيه، لعالم آخر بديع، يأسرني بجمال الأفكار التي صورها أصحابها بأروع الأساليب، سأترك بشاعة الواقع للأيام وللعمل وللطرق التي تأخذني لمهام غير منتهية، فأنا وأنت ممتلئون بما حملته لنا الأيام من دروس جاءتنا على هيئة أوجاع، أريد فناً وأدباً لأجد مكاناً آخر وحياة أخرى، وكما قالها العقاد: أقرأ لأن حياة واحدة لا تكفيني.

لذلك سأحكي عن الكتابة، هذا الفن الذي خطفني منذ الصغر، ومعها القراءة، وما الكتابة إلا فكرة عميقة أسرت عقل كاتبها واستحوذت عليه فجعلته يكتب لنا ما يجعلنا نسابق الكلمات لننهيه. وهي السبب الذي يدفعنا لأن نعتزل العالم والناس ونتوحد مع كتاب، لأنها متعة لا تطرح في المجالس العادية والأحاديث الدارجة. فالكتابة ليست فعل حياكة النص فقط، بل هي الفكرة العظيمة التي تؤرق عقل كاتبها فيخرجها بطريقة خلاقة وصفاً وأسلوباً ولغةً، فترتقي به لمنزلة الاحتراف، فيكون كاتباً مختلفاً لأن في نصوصه شيئاً غير متداول، فالكتابة قلق يسيطر على عقل الكاتب حتى ينصاع ويستسلم له فيخرجه بأفضل نص، إنها أعظم خساراته، وهذا أكبر نصر لنا!

إنه لدور عظيم هذا الذي يقوم به الكاتب لقرائه، ففي زمن تعددت فيه أدوار الكاتب بسبب وجود وسائل إعلام مختلفة وطرق نشر متعددة، بين من يقدم فكرة، وآخر يقدم معلومة، وبين من ينقل لنا خبراته ورأيه بشكل ناقد، يبقى لنا الكاتب الذي يقدم خيالاً واسعاً وتصويرات بليغة، ولا يقتصر هذا الدور على القدرة البلاغية، لكن الفكرة العظيمة والعميقة يجب أن تقدم بطريقة جميلة لتثير في ذهن قارئها ما تثيره العواصف في البيوت المهجورة، فهو يتسلل لعقل قارئه من خلال نصٍ مميزٍ ينفض به الغبار عن تلك الزوايا المهملة في عقله، ويحرق ما تبقى من حطام الأيام ويجددها أيضاً.

إن السلبية التي حاصرتنا تحت غطاء الواقعية، ثم رتابة ما يقال وما يتداول، وزد عليها وجع الأحداث والوقائع مع البشاعة التي أفرطت في وجودها بيننا، أفقدتنا جميعنا الإحساس بالجمال والقدرة على الجموح بالخيال لما هو أبعد من اللحظة الحالية لعالم آخر وزمان مختلف، لست بحاجة إلى أن تنقل لي ملل الأيام، فأنا أعيشها، لكن الروعة أن تخطفني من لحظتي هذه لمساحة بعيدة جداً، لأن الأرض ما عادت تحتمل نزيف قلوبنا، وأيامنا تسألنا اللطف، والقارئ يحتاج إلى كاتب ينقله معه لعالم خلاق، فلا يعود كما كان بعد أن قرأ كلماته، متعةً وفكراً وحتى رأياً.

رابط المقال:

http://sites.alriyadh.com/alyamamah/article/1154592


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s