الجداريات.. صحافة المواطنين في الشارع

العربية.نت – روان الوابل

لو تسلمت لوناً وفرشاة وطُلب إليك أن تكتب أول فكرة تخطر في عقلك، ماذا ستكتب؟ عفوية وبساطة هذه الفكرة في لحظة خاطفة تجعل ما ستكتبه، مهما كان وعلى أي لوح، فناً عظيماً يستحق التقدير، فكرة قوية جداً لدرجة أنها استحوذت على العقل فظهرت بسرعة وبشكل فجائي. فكرة مجردة تكتبها بلا هدف واضح وبلا نوايا مبطنة ولا ترتيب.

هذا هو أدب الشوارع أو الجداريات، عبارات وأقوال شعرية، على جدران المدن بلا منهج واضح ولا تفسير يفهم، بلا تاريخ ومجهولة الهوية، أدب مبهم تماماً مثل ضبابية وصول الفكرة التي طرأت في عقل كاتبها بلا مبرر نعرفه ولا ندري ما تسلسلها المنطقي؛ كاتبها سجل حضوره بفكرته على جدار مبنى وابتعد بلا أي وصمة أو توقيع شخصي يحفظ له حقه إن كان فيها حق. أنا بكاملي في فكرتي فقط، فكرتي التي تسيطر علي، التي تؤرق عقلي، سأعبر عنها بلا اكتراث.

حين ندقق في أدب الشوارع على جدران السعودية نجده تعبيراً بسيطاً وغالباً يكون عبارات شعبية وكلمات بسيطة متداولة في لغة الحوار بين جيل الشباب، تحمل هاجسهم، أفكارهم حول الحب والعشق، هم الوطن وعلاقة العبد بربه، كتبت على عجل بلا ترتيب ولا تنسيق مبالغ فيه.

في الدول العربية غالبا ما نجد أنها تحمل عبارات ثورية، الاستقلال والوطن، الحرية وهاجس العيش والثورة على الحب أحياناً أخرى، خصوصا في البلدان التي عانت من الاستعمار الغربي وثورات الربيع العربي، أبيات شعر لأشهر شعرائها تتصدر الجدران كما تتصدر دواوينهم المكتبات، كيف لا ومحمود درويش وغسان كنفاني وغيرهما الكثير حملوا هموم أوطانهم حتى أصبحت هم الجميع.

ومن هذه الفكرة الثورية بدأ أدب الشوارع كنوع من التمرد على الاستعمار ولإعلان الثورة على استبداد الاحتلال، ورفض لعبودية العدو والفكر، فهنا الشباب تمردوا فكتبوا على الجدران ما لا يقال، أعلنوا غضبهم وثاروا بالعبارات، لنقل إعلام الشارع، وكما تسمى وسائل التواصل الاجتماعي الآن “صحافة المواطن”، فقد كانت الجدران صحيفة المواطن الذي دفع إسرائيل أن يعتقل هؤلاء الشباب بتهمة التمرد والثورة والعصيان على الجدران، استفزوا العدو وانتقموا منه بأدب الشوارع، بالحجارة، في فلسطين حرب بأبسط الأدوات لكنها دائما ما تكون أسلحة دمار شامل.

لكنه عالمياً يخرج تماما من سمة العشوائية كما لدينا، ليكون فنا جميلا وبأدوات احترافية، وبذلك يكون خرج عن أدب الشوارع إلى منزلة فن من الفنون الأخرى، فقد انتفت العفوية والبساطة وهي السمات الأجمل والمميزة التي جعلت من هذه الأعمال أدباً.

ببساطته المفرطة في شوارعنا، إلى فنه المتقن والإبداعي في العواصم الغربية، والذي يعكس فرق الحياة بيننا وبينهم في كل شيء مرورا بالآداب والفنون وأين وصلت، فهناك حتى العشوائية لا يمكن أن تكون عشوائية بلا تخطيط، فالفنون وإن ارتبكت فإن لها أسلوبها في الارتباك ومدارسها التي تتبنى ذلك. أما في العواصم العربية فلا تزال الفنون والثقافة تتأرجح بين مترفين بعيدين عن الحياة، وبين شباب يبحثون عن هويته ومكان على جدران المدن المهملة.

بعيداً عن الفلسفة التي قد توجد في أدب الشوارع إلا أنها تمثل أيضاً تاريخ مرحلة غير محفوظ، وهاجس شباب غير معلوم ومهمش. فما يكتب على جدران مدينة هو انعكاس لأفكار شبابها، وأن كانت شخبطات الجدران تصرفاً غير حضاري، إنما هي صوت ساخط ومتمرد اختار الجدار ليعلن موقفة من الحياة، غير مكترث بأن يحتفظ بالسبق في الكلمة، غير مهتم سوى للفكرة، فوضويا عشوائيا بلا ترتيب ولا يفهم تماما مثل العشوائية التي نعيش فيها، فكرا وأسلوبا ومنهجا، والذي هو أساسا امتداد لحياتنا وما نتداوله وما نكتبه في مواقع التواصل الاجتماعي وما نقرأه في جمل التعريف في برامج المحادثة، أفكار شباب تؤرق عقولهم، همهم ومستقبلهم، رأيهم تجاه أنفسهم والحياة والعالم، بعيدا عن أقلام المثقفين والمترفين والأهم.. بعيدا عن المنظرين.

هل يمكن أن نعتبرها أعلى درجات التمرد والغضب والإحباط؟ حين تقرر أن تكتب ما يؤرق عقلك على جدار مهمل في مدينة مزدحمة؟ هذا لأنك لم تعد تكترث بمن يسمع وبمن سيتجاهل ولن تبقي حتى اسمك كتوقيع. ولن تكترث إن جاء من يطمسها حفاظا على لون الجدار.

لذلك، فإن في المدن العربية التي تعم بالفوضى، في شوارعها المزدحمة، ونفاياتها التي لا تنفى، والكثير من التشوية الذي أصبح جزءاً منها فألفناه، يأتي أدب الشوارع بشكله الحالي متناسباً ومتماشياً معها. فهكذا هو طابع المدينة، وطابع الحياة الفوضوي الساخط على كل شيء، أليس هذا الأدب ينطبق على شوارع وطبيعة المدن العربية؟ الفنون والأدب هي انعكاس للواقع أو تمرد عليه في أحيانا أخرى، لكن لا يمكن أن نقدم فنا راقيا فخما في مدينة مثقلة بالهموم والوجع والخيبات؟

أدب الشوارع، هو تاريخ أمة، وانعكاس للقصص التي تنسج في شوارع هذه المدينة على جدرانها.

الرابط على موقع العربية.نت

http://ara.tv/wyuuq

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

 

 


اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s